محمد بن محمد ابو شهبة
341
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
له : اللات والعزّى إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجعل « 1 » ليمر بهم ، فيقولون له : أهذا إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده . شكاتهم إلى رسول اللّه ما يلاقون وفي بعض ساعات الضعف الإنساني كانوا يأتون إلى النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - شاكين ما يجدون من شدائد وتعذيب ، فيضرب لهم الأمثال ، ويعظهم ويذكرهم ، فيرجعون راضين مطمئنين صابرين على البلاء . روي عن خباب بن الأرتّ أنه قال : أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو متوسد بردة ، وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : ألا تدعو اللّه لنا ؟ فقعد ، وهو محمّر وجهه ، وقال : « قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ! ! وليتمّنّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا اللّه - عز وجل - والذئب على غنمه » وفي رواية : « ولكنكم تستعجلون » رواه البخاري ومسلم . إنّ ما وعاه التاريخ الصادق مما كان يلاقيه المسلمون الأوائل من صنوف البلاء والعذاب قد بلغ من الروعة ، والجلال ، وعزة النظير ما يعتبر عند بعض الناس ضروبا من الخيال ، ولكنها الحقيقة التي لا ريب فيها ، إن الإنسان ليغضّ الطرف حياء ، ويحمر وجهه خجلا حينما يستعرض هذه المواقف البطولية الفذة التي سمت بأصحابها إلى درجات سامقة من السمو الديني والخلقي والنفسي ، وإليك طرفا من حديث هؤلاء القوم . المعذّبون في اللّه فمن هؤلاء السادة الأبطال : بلال بن رباح الحبشي ، وكان اسم أمه حمامة ، وكان مولاه أمية بن خلف الجمحي قاسي الكبد ، غليظ القلب ؛ لا ينبض قلبه بقطرة من الرحمة الإنسانية . كان يخرجه إلى بطحاء مكة إذا حميت الشمس في الظهيرة ، والرمضاء في هذا الوقت تكاد تنضج اللحم الطري ، ثم
--> ( 1 ) الجعل : بضم الجيم وفتح العين دويبة من دواب الأرض .